حيدر حب الله

20

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

الالتزام بتعاليم الدين وقيم السماء الرفيعة ؛ لهذا نصّت الآية على تبرّي رسول الله من المفرّقين والمنشعبين فقالت : ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ) ، ولا معنى لهذا التبرّي إذا كانت الفُرقة نتاجاً دينياً ؛ فهذا خير دليل على أن الفرقة نتجت عن سوء بشري في التعامل مع الدين ومع غيره ، وهذا ما تؤكّده الآيات الكريمة : ( وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) « 1 » ، و ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) « 2 » ، و ( وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) ، و ( وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) « 3 » . ومن مجمل ما أسلفناه نعرف أنّ حصول الاختلاف والانقسام يكون نتيجة خطأ إنساني أو سوء بشري ، وأنّه لا يولّد الدين الفُرقة داخل جماعته على الأقلّ . 4 - 2 - ألوان تأثير البغي على سلامة الوحدة الدينية لا يعني ما تقدّم أنّ الخلاف في الأمة يعني ابتعاد كلّ مذاهبها وفرقها وجماعاتها وآحادها عن الدين ، بل الذي تريد الآيات أن تؤكّده هو وجود عنصر البغي الذي أدّى إلى حصول هذا الأمر ، وهذا يعني أنه من الممكن أن يكون هناك فريقٌ واحد باغٍ فتحصل الفرقة نتيجة ذلك ، حتى لو كان الباقون غير باغين ، وربما كان الباقون هم الأجيال اللاحقة التي أتت فيما بعد ؛ فالآيات تريد تأكيد المبدأ لا الدفاع عن شموليته واستيعابه .

--> ( 1 ) البقرة : 213 . ( 2 ) آل عمران : 19 . ( 3 ) البينة : 4 .